الثلاثاء، 8 أبريل، 2008

نوّرت مصر ...



قد يعتقد البعض أن هذا المقال يعبر عن عدم حبي لبلدي .... لا والله .... فأنا والحمد لله أعشق تراب مصر .... و لكن كل شيء يحدث حولنا يثير الجنون .. الغضب ... الفزع .... و الحزن أيضا على بلد كنا نعتبره أم الدنيا ... اعتبر هذا المقال صرخة ساخرة ... صرخة لم تستطع أن تطلقها الحناجر ... فتركت القلم ليرسمها كيفما يراها ...هذه دعوة مني لترسم معي في نفس اللوحة ... يا ريت ما تكسفنيش ... يا ريت تفهمني صح ...


...........................................



نورت مصر .... دي طبعا زي ما أنت عارف الحملة الإعلامية الجديدة لبلدنا العزيز.... حملة بتوصفلك كل حاجة في مصر قبل ما تزورها.... بتوريك من أول الأهرامات و أبو الهول و خان الخليلي و نهر النيل لحااااااااد ( و هو الأهم طبعا بالنسبة لمخرج الإعلان ) راقصات شارع الهرم ..... الواحد يا أخي مش عارف ليه كل أما يعملوا إعلان عن مصر يجيبوا الأشكال دي ... هو يعني البلد لو نضفت السياحة حتنضرب ؟؟!!! إيه ؟ ده رأيك يعني ؟!! ماشي ....
و الشيء الأجمل من كده هو طبعا شعار الحملة (نورت مصر) ... اللي تكرم عدد كبير من ممثلينا العظام بالتضحية بوقتهم الثمين و توفير بضع دقائق - من أجل رفعة الوطن و سلامة أراضيه – لنطق شعار الحملة ( نورت مصر ) و ما يفوتكشي طبعا صوت الفنان( سامي العدل ) و هو بيقول ( نورت مصر) اللي وقعها في نفس الواحد بيكون (إوعى تيجي مصر .... أنا باقولك أهه !!! )

- و السؤال المحير هو : ألا يوجد في مصر سوى الراقصات و الممثلين للإعلان عنها ؟؟!!!

- أنا أقترح تغيير شعار الحملة من ( نورت مصر ) إلى (فضحت مصر )..

..............................................

الكل طبعا يعرف رواية ( عمارة يعقوبيان ) للكاتب ( علاء الأسواني ) .... و ما قد لا يعرفه البعض أن للكاتب مجموعة قصصية أخرى و هي (نيران صديقة )... و في هذه المجموعة قصة بعنوان ( الذي اقترب و رأى ) ..... في القصة دي يعلن البطل نفوره الشديد من مصر و المصريين .... و السبب هو إنه مش شايف أي مميزات في الشعب المصري !!!!!!
تصور ..... إحنا مافيناش مميزات ؟؟!!!! .... بيقول إن إحنا شعب جبان ( ده البطل مش د. علاء) و ما عندوش ذمة.... و منافق ..... و خبيث .... و متخلف!!!!! ... ليه يا عم كده بس ؟!
ده إحنا شعب عنده حضارة سبعتلاف سنة !!!
و عندوووو....
و عندوووو....
و عندوووو.... آه ... إحم ..
...... ما هو أكيد عنده حاجة تانية!!
آآآه .... عندو حضارة سبعتلاف سنة !!! إيه مش كفاية ؟!!
عندو حتشبسوت .. و رمسيس .. و مينا موحد القطرين..
و عنده نواب مجلس شعب.. بيسرقوا الشعب ... و يخلعوا على بره بفلوس الشعب...
و عندو موظفين مية مية ...
منتهى النشاط ... بمجرد إنهم يشوفوا بس العشرة جنيه في إيد المواطن ...
اللي هو واحد من الشعب...
و عندو حكومة بتحترم حرية الرأي بتاعت الشعب ... و شعارها ( قول اللي أنت عايزه .... و أنا هاعمل فيك اللي أنا عايزه)
و سلملي على السجون اللي مليانة بالشعب ...
شفت أنت ديمقراطية من النوع ده في بلاد بره ؟؟!!!
طبعا لأ....

و المواصلات ... يا أوحي يا أوحي على المواصلات ... دي لوحدها يتكتب فيها دواوين شعر...
جميع أنواع المواصلات عندنا على مستوى عالي ....
يا إما بتنفجر ... يا إما بتغرق .... يا إما بتولع ..... و يا إمابتخبط في بعضها ... أمال إيه .... تنوع ... و كل نوع و إمكانياته و اللي ربنا يقدره عليه....
و مسئولين الحكومة مالهمش دخل طبعا... لأن الخطأ في جميع الحالات بيكون خطأ بشري ... يعني من الشعب و للشعب..
و آخر هذه الحوادث طبعا زي ما أنت برده أكيد عارف هو حادث القطارين ... قطار المنصورة و قطار الإسكندرية ... و اللي الخطأ فيه كان طبعا خطأ بشري ...
و المسئولين ما بنشوفهمشي غير على قناة الجزيرة .. لأن مصر مافيهاش حد يحاسبهم .. و يكون الحوار كالآتي :

- المذيع (وياريت يكون أحمد منصور عشان المسئول يتربى) : ما يحدث في مصر شيء غير معقول ... حوادث القطارات كثيرة جدا ... كل أما الناس تنسى حادثة تيجي حادثة تانية تفكرهم .... إيه موقف الحكومة بالنسبة للموضوع ده ؟

- المسئول : أولا حادثة القطار بتاع الصعيد ما كانشي للحكومة ذنب فيه .... القطار ولع ... قضاء و قدر..

- المذيع : طيب و الناس اللي اتفحمت دي ؟!!

- المسئول : الناس دي ماتت لأن ما عندهاش لياقة بدنية ... ميت مرة نقول ... الرياضة يا ناس ... الرياضة يا سادة ... الرياضة يا شعب ... ما حدش بيسمعلنا ... الخلفة هدت حيلهم ... غيرهم نط من القطر و ربنا كتبله عمر جديد ...

- المذيع : ما هو اللي نطوا من القطر ما سلموش برده ... منهم اللي طلع بكسور و منهم اللي طلع بعاهة مستديمة !!!

- المسئول : عاهة مستديمة ولا يتفحم ؟؟!!!

- المذيع : آه .... وجهة نظر برده .... طيب ينطوا إزاي و الشبابيك كان عليها قضبان حديد ؟!

- المسئول : ما هو أنا قلت لك يا أستاذ أحمد .... الناس ما عندهاش لياقة ... ما هو لو كانوا بيلعبوا كراتيه ولا كونجفو كان زمانهم عرفوا يكسروا القضبان ... لكن حنقول إيه بقى .... ما فيش وعي رياضي ...

- المذيع : طيب القطر كان بيتنضف بجاز ... و ده اللي ساعد على الا شتعال ..

- المسئول : يووووووووه .... ننضف مش عاجب ... نسيبه وسخ برده مش عاجب .... طيب نعمل إيه بس ؟؟!!!

- المذيع : آه والله ... عندك حق ... طيب و الحادثة الأخيرة ؟

- المسئول : أهي الحادثة الأخيرة دي بالذات بقى الحكومة مظلومة فيها ...الخطأ فيها بشري مليون في المية !!

- المذيع : إزاي بقااااا ؟!!

- المسئول : أقولك يا سيدي ... السواق بتاع قطر المنصورة هو اللي مش عارف الإشارات كويس ...

- المذيع : و هي إيه الإشارات دي ؟

- المسئول : ثانية واحدة أطلع الكود ...

- المذيع : ياااااه ... كل ده ؟!!

- المسئول : إيه ؟ ... كبير قوي مش كده ؟ ... عشان بس الناس ظالمة الحكومة ... بص يا سيدي في صفحة .... مثلا يعني مثلا ... في صفحة 3594 ... :

- اللون البمبى المسخسخ … خلي بالك لازم يكون مسخسخ …
البمبى المسخسخ يا سيدي يعني تقف ..
- اللون التركواز يع…

- المذيع : تركواز ؟؟!!!!

- المسئول : آه … أمال … ده إحنا مواكبين العصر ….
- التركواز .... يعنييييي .. هدي شوية
- اللون الليلا يعني إوعى تقف ...
- اللون الأخضر المسفر يعني إمشي على طول ..

- المذيع : طيب و إيه الفرق بين ... إوعى تقف و إمشي على طول ؟؟!!!!

- المسئول : إوعى تقف أسرع من إمشي على طول ... أمال إيه لازم يكون في دقة ...

- المذيع : آآآآآآآآآآآه..

المسئول : -
- الكافيه أو ليه بقى معناه : إزي الحال ؟
- المشمشي معناه : الولاد عاملين إيه ؟
- أما السيموني أو البستاج فمعناهم : الولية مطلعة عيني..

- المذيع : و ليه لونين عشان نفس المعنى ؟ !!!!

- المسئول : أهو .... بنسلي السواق ...

- المذيع : ..............!!!!!!!!!!!!!!!

.......................................................

أنا رأيي إن الواحد لازم قبل ما يركب أي و سيلة مواصلات إنه يكتب وصيته ... الواحد مش ضامن عمره ...

ياه ... شفت مصر حلوه إزاي .... أنا عندي اقتراح كده لشعار جديد لحملة إعلانية جديدة مهداة من الحكومة المصرية و الشعب المصري إلى الشعب المصري و أي شعب عايز يزور مصر و هي أغنية ( محمد منير ) :

خايف أوعدك ما أوفيش
أقولك في تلاقي ما فيش

و بجد و بقولها من قلبي لكل واحد مصري ... يعني من الشعب ... و أي واحد بيشاور عقله يزور مصر .... و أي واحد بيزور مصر .. ربنا يرجعه لأهله بالسلامة... بقوله من قلبي : نورت مصر.




تمت بحمد الله







الجمعة، 4 أبريل، 2008

المُوَقِعُ أدناه . . .


(ميكانيكي السعاده)


أخذت أتأمل اليافطة المكتوبة و على شفتي ابتسامة ساخرة خشيت أن يلحظها (الأسطى غريب) صاحب الورشة ... أشحت بوجهي كي لا أثير حفيظته و أخذت أفكر محاولاً إيجاد علاقة ما بين السعادة و الميكانيكا ... كنت على وشك أن أنبهه أن الهاء الملحقة بآخر كلمة (السعاده) يجب أن تعلوها نقطتان لتصبح تاء مربوطة لولا أن تذكرت أن (غريب) و بمعجزة خارقة ... يستطيع كتابة اسمه باللغة العربية ... من اليسار لليمين !! .. مما كان كفيلا هو الآخر بجعل ابتسامتي تزداد اتساعاً لا إرادياً ...
- معلش يا أسطى ممكن بس تبصلي على العربية لحسن أنا مستعجلة أوي ...
تلفتُ لألقي نظرة على صاحبة الصوت الأنثوي ... تأملتها لوهلة و أخذ اعتقادي الأزلي في أن بطلات (منى نور الدين) لا يظهرن إلا في (جاردن سيتي) وحدها يتلاشى بسرعة هائلة ...
وقفتْ بجوار السيارة و بدأ القلق يرسم ملامحها الدقيقة ... اقترب (غريب) من السيارة و ألقى نظرة سريعة على محتوياتها ثم نظر للفتاة و أردف بثقة ..
- سُسَت الموتور بايظة يا ست هانم ..
- إيه ؟!..
- سُسَت الموتووور ...
- آه .. طيب و دي تاخد وقت في تصليحها ؟ ...
- يعني .. نص ساعة كده .. بس هتكلف شوية .. عشان هبعت حد من الصبيان يجيب الحتة الأصلي بتاعتها من (السبتية) ...
- يعني هتكلف قد إيه كده ؟ ...
- يعني ... حوالي 500 جنيه ..
تنهدت بضيق ثم أضافت ..
- طيب .. ماشي بس ياريت تخلصني بسرعة ..
نصب علني !! .. ما حدث أمامي حينها كان تعريفه المطلق ...
كنت على وشك أن أفضح الأمر برُمته لولا أنها باغتتني بالإشارة إلى وجهي و التحديق فيه بتعجب أبله مضيفةً ...
- هو مش حضربتك برضووو ... حضرتك بتيجي في التليفزيون .. مش كده ؟ .. بيتهيألي أنا شفت حضرتك ... في برنامج ... آآآآ ...
انتظرتها لتكمل عبارتها ... و لكنني الحقيقة لم أتوقع أن تتذكر اسم البرنامج الذي أقدمه .. لأنني و ببساطة لم أكن مقدما لبرنامجها المفضل ... (مهاترات الجمال) ! ..
صمتُ لبضع لحظات واهباً إياها مزيداً من الإحراج ... ثم أومأت برأسي و كأنني أتفهم أن النسيان ما هو إلا عادة سخيفة يجب أن يقلع عنها الجميع ... و أردفت ..
- (فتح عينيك) ..
فتحت الفتاة شفتيها لتعلن أنها تذكرت .. و لكنها ما لبثت أن أطبقتهما من جديد و ابتسمتْ في حرج ..
كلا يا عزيزتي ... هذا ليس فيلم (مصطفى شعبان) .. و لا هو أغنية (العزبي) أيضاً .. !! .. مسكينة هي تلك الفتاة ... لابد أن قنوات المنوعات قد استولت على (سُسَت مواتير) عقلها بالكامل.. و لم تترك مجالاً .. و لو يسيراً .. لتفاهات السياسة و المجتمع .. !!! ..
التفت لـ (غريب) و أردفت بشيء من الضيق ...
- ما تخلصني بقى يا (غريب) خليني أمشي .. ! ..
- حاضر يا (حاتم) بيه ... يا (علاااااااااء) ... اكتب للبيه حسابه .. ! ...
كان يعلم جيدا أنني أفضل التعامل بالورقة و القلم ... حتى أراجع الحساب على مهلٍ .. و أتأكد من أنه لم يخدعني بطريقة أو بأخرى ...
ناولت الفتى قلم من جيب سترتي ... ثم أخذت أبحث في بقية الجيوب عن وريقة صغيرة ليدون عليها الحساب ...
- خلاص يا باشا ...
قالها الفتى ثم انحنى على الأرض و التقط ورقة مطوية ملوثة بأحذية المارة ... أخذ يخط عليها بالقلم .. و ناولني إياها فأمسكتها بشيء من التقزز المتردد ..
حقاً .. تصرف عبقري لا يصدر إلا عن ... (علاء) !!! ..
تحسست جيبي و أخرجت الحافظة .. ناولت الفتى المطلوب و شكرته ... كنت على وشك أن ألقي بالورقة المقززة إلا أن الفضول أغراني بفضها ... فأمسكت بها من الأطراف و فتحتها .. و ما احتوت عليه الورقة كان آخر شيء يمكن أن يطرق ذهني وقتها ...
رسالة انتحار كانت ..
و ياللهول !!! ..
****************************************************************************
" حبيبتي الغالية (ريم) ..
أكتب إليكِ لعلها تكون آخر مرة أزعجكِ فيها ... و لكنني قبل أن أمضي ... أريد أن أصارحك بشيء ما .. بسر ما ... سر احتفظت به في قلبي و أغلقته عليه .. و ما أغلقت عليه قلبي هو .. أنت يا (ريم) .. (ريم) .. أنت السبب في كل شقائي .. نعم .. شقائي الذي لن ينتهي إلا برحيلي ... رحيلي الذي سيريحك .. و يريحني .. لا تبكِ عليَّ يا (ريم) .. فأنا لا أستحق دمعة واحدة من عينيك الجميلتين .. عينيك اللتان سحرتاني .. سحرتاني ... و أمرتاني بالرحيل .. فها أنا ذا أرحل .. أرحل دون أن أراكِ .. دون أن أودعكِ .. دون أن أبوح لكِ بحبي ... سأتخلص من حياتي يا (ريم) ..
سأنتحر .. سأنتحر بصمت .. فوداعاً .. وداعاً يا حبيبتي .. وداعاً يا حياتي .. وداعاً .. يا (ريم) ..
محمود "

****************************************************************************
ما أن انتهيت من قراءة الرسالة حتى تذكرت كلمة زميلي (أحمد العلمي) الشهيرة - التي نختلف بشأنها كثيرا-.. واصفاً الأعمال التي تردنا في الجريدة لتحكيمها في المسابقات ..
- العيل من دول يمسكلك آخر كلمة من الجملة الأخرانية و يلزقها في الجملة اللي بعدها ... و يكمل بأي هبل ... و يفتكر بكده إنه بقى (نبيل فاروق) .. ولا حدش يقدر يكلمه نص كلمة بعدها .. عالم تقرف !! ..
هززت رأسي هزة بسيطة و كأنني أطرد (أحمد) منها ... و طالعت الكلمات من جديد لعلي قد أخطأت الفهم أو القراءة .. و لكن للأسف .. الفتى لا يمزح ..
(سأنتحر) .. كلمة واضحة المعنى .. و لا تحتاج لذكاء خارق ليثبت نوايا الفتى في قتل نفسه ! ..
استندت بجسدي على السيارة .. و أخذت أرتب أفكاري بصعوبة ..
" حسناً .. اسم الفتى واضح ... هذا أولا .. ثانيا .. هنالك نسبة كبيرة ترجح أنه من سكان هذه المنطقة .. الورقة ليست ملوثة بدرجة كبيرة و هذا يعني أنها كتبت حديثاً .. كلا كلا .. بل ألقيت بالشارع حديثا .. هذا ثالثا .. رابعا .. من الممكن جدا ألا يكون الفتى قد تخلص من حياته حتى الآن .. يمكنني أن أسأل (غريب) إذا كان هنالك أي جريمة انتحار قد حدثت مؤخراً .. و لكن لأدع هذا السؤال جانباً حتى لا أثير شكوك (غريب) حول سلامة قدراتي العقلية ! ... "
تررررررررررن .. تررررررررن .. ترررررررررن .. ترررررررن ...
كان هذا صوت هاتفي المحمول الذي انتزعني من أفكاري .. أخرجته من جيبي ثم نظرت لشاشته لأعرف هوية المتصل .. فإذا به رئيس التحرير ..
- آلو ..
- آلو .. أيوه يا (حاتم) .. بحاول أكلمك بقالي ساعتين و تليفونك خارج الخدمة ... فين يا سيدي المقال ؟ .. الطبع واقف عليه ..
- مقال إيه ؟ .. ما أنا بعتهولك على الإيميل بتاعك ..
- مافيش حاجة وصلت ... و المطبعة واقفة عشان خاطر مقالتك !! ..
- طيب طيب .. هكلم (منال) تبعتهولك من البيت ..
- ماشي يا سيدي ... أديني مستني.. سلام ..
- مع السلامة ..
أنهيت المكالمة ثم ضغطت على أزرار الهاتف ناشداً صوت زوجتي .. و أخيراً أجابت بعد خمس محاولات فاشلة ! ..
- نعممم !
نعم؟؟!! .. رد لاشك دعاني للتفتيش في دهاليز ذاكرتي عن حمق ارتكبته في حق شخصها المصون ...
- أيوه يا حبيبتي إزيك ؟ ..
- عايز إيه ؟!! ..
رد آخر طمأن قلبي و أكد لي أن وجهي الوسيم سيتصدر صفحات الحوادث غداً ... مع كلمة رقيقة من زوجتي مضمونها .. " أهو كلب و راح " !! ..
أسلمت أمري لله وحده و توكلت عليه من ثم ألقيت عليها السؤال ..
- في حاجة يا حبيبتي؟ ... أنا حاسس إنك مضايقة ..
- بجد؟؟!!!
- آه و الله !
أجبتها ببراءة ما كانت منها إلا أن زادت من حنقها فأضافت ...
- طيب لما تفتكر إنتا عملت إيه إبقى كلمني تاني !! مع السلامة ..!!!
تييت تييت تييت تييت ...
هل اليوم هو الحادي عشر من سبتمبر ؟ .. أبدا .. إذا فاليوم ليس عيد ميلاد حماتي العزيزة ... و بالتالي فأنا لم أنسَ !! .. هل هو عيد زواجنا ؟ .. كلا البتة .. فلقد احتفلنا به منذ شهرين ... و على حسب معرفتي الضئيلة فهذه المناسبة لا تباغتني إلا مرة واحدة بالعام ...
أخذت أدير أيام السنة برأسي بحثاً عن أي عيد أو أية مناسبة أكون قد غفلت عنها ... و لكن بحثي باء بالفشل فاستسلمت لقضاء الله و قدره ... و استنجدت بالخطة رقم واحد ... فهي دائما ما تأتي بنتائج إيجابية ...
سأبتاع أية هدية و أقدمها لها لعلها تصفح عن ذلك الجرم الذي ارتكبته و لا أتذكره ... و لكن قبل ذلك سأقصد مكتبي في وسط العاصمة لأبعث لرئيس التحرير بالمقال من هناك ... حسنا لأنطلق إذا ..
وضعت يدي بجيبي لأخرج مفتاح السيارة ففوجئت بالورقة إياها و قد نسيتها تماما في غمرة ما حدث ... وقفت مكاني و كنت على وشك الانفجار ... إلا أنني لم أجد أحد ممن أعرفهم لأصب عليه حمم غضبي .. ففتحت الرسالة و نظرت لأخر كلمة مدونة بها و صحت بحنق لفت أنظار معظم المارة إليَّ ..
- الله يخرب بيتك يا (محمود) !! ...
****************************************************************************
من الساعة الثانية و الثلث مساءاً حتى الساعة الرابعة و النصف عصراً و أنا أبحث عن ذلك المحمود .. و الحقيقة أنني قد قابلت العديد منهم ... و معظمهم يستحق الانتحار عن جدارة ... و لكن (محمود) كاتب الرسالة ... لم يكن واحد منهم ...
بالطبع معظمهم اعتقد أن عقلي "خفيف" ... خصيصاً حينما كنت أخرج الورقة و أريهم إياها و أسأل بكل ثقة .. "هو إنتا اللي كتبت الجواب ده؟" فينظر إلى أحدهم و الشك يملأ عينيه و يجيب بتوجس "لأ .. مش أنا" .. و يبتعد عني مسرع الخطى ...
و الغريب في الأمر أن معظم سكان الحي كانوا يتطلعون إليَّ بنفس طريقة فتاة "السُسَت" ! .. ذات النظرة التي تقول " أنا شفتك فين قبل كده ؟" .. حتى بائعة المناديل التي سألتها عن (محمود) رقم 9 في قائمتي .. تطلعت إليَّ و أردفت بثقة ..
- إنتا بتاع الكاميرا الخفية .. مش كده ؟!
و أرهقني البحث لأقصى درجة ... و أصابني بصداع نصفي رهيب ..
و (محمود) يأبى أن يظهر ... و عقارب الساعة تأبى أن تتراجع للوراء ... أو حتى تتوقف لمواساتي ... و لو لبضع دقائق خاوية ...
****************************************************************************
- فين المقالة يا (حاتم) ؟؟!!
- حاضر ... هبعتها ..
- بقالك أكتر من ساعتين بتقلي كده .. و الطبع واقف عليها !! ..
- حاضر حاضر !! ..
****************************************************************************
ثلاث ساعت مرت ... و بحدثي عن المذكور لم يتوقف لدقيقة واحدة ... حتى أن عقلي المجهد وزني بتأجير عربة من طراز "الكارو" و اللف في الحي مناديا بالمايكروفون بحثاً عن عنه ...
- إنتا فين يا (محمود)؟ ... (حاتم) بيدور عليك !! ...
و لكنني أعرضت عن هذا لما قد يؤديه من ضرر بالغ في مكانتي الاجتماعية ... و تأكيد لفكرة المرأة إياها عن كوني من أفراد الكاميرا الخفية !!! ...
****************************************************************************
- المقال يا (حاتم) !!
- حاضر !
****************************************************************************
(العلمي) اللعين لا يجيب على هاتفه ... بالرغم من تأكدي أنه بالمكتب !! ..
****************************************************************************
جررت قدماي كالقائد المهزوم في المعركة ... و اتجهت نحو السيارة و أنا عازم على الرحيل .. فلقد كللت محاولاتي البائسة بالفشل ..
لمحني (علاء) فاقترب مني و سألني بقلق يغلب عليه الفضول ..
- في حاجة يا أستاذ؟ ... حضرتك بقالك ييجي تلات ساعات سايب العربية هنا و بتلف ... في حاجة ؟ ...
رفعت رأسي إليه و تمتمت بلامبالاة ..
- لا عادي كنت بدور على واحد ... بس مالقيتوش ...
- طيب ما كنت تسألني يا باشا و أنا أساعدك ...
- ما أنا سألت الأسطى (غريب) و قالي مايعرفوش ...
انحنى عليَّ الفتى و همس في أذني ..
- ده حمار و لا يعرف حاجة ... اسألني أنا و أنا أدلك ...
زفرت بضيق من إلحاح الفتى ... و بحت له باسم المذكور كي أتخلص من ثرثرته ..
- (محمود) ... بدور على واحد اسمه (محمود) ... و لفيت الحتة كلها و مالقيتوش ...
- أمممم ... طيب ماقالكشي هو ساكن فين بالظبط ؟
- لأ!
وقف يحك ذقنه قليلاً .. و كأن الإجابة ستتساقط منها حتماً .. فهممت بالرحيل إلا أنه استوقفني قائلاً ..
- طيب شفت (حُكشة) اللي في البيت ده؟
قالها ثم أشار للبيت الذي تقع فيه الورشة ...
- مين؟!!
- (حُكشة) يا باشا ... ما هو اسمه الحقيقي (محمود) ... بس ده واد عبيط .. مايتهيأليش إن حضرتك تعوز الأشكال دي ولامؤاخذة ...
- هو ساكن في أنهي دور؟ ..
- الدور التاني ..
شكرته و اتجهت ناحية مدخل البناية ... مقنعاً نفسي أن هذه آخر محاولة ... و سأقوم بها فقط من أجل إرضاء ضميري ... و إقناع نفسي أنني قد فعلت كل ما كان بوسعي أن أفعله ... بالرغم من اقتناعي حينها أنها حتما ستكون آخر المحاولات ... الفاشلة ...
وقفت أمام باب الشقة المزعومة ... و ضعطت على الجرس .. و ما هي إلا ثوانٍ معدودة حتى انفرج الباب ... و أطل منه رجل في العقد السادس من عمره ... و ما إن رآني حتى اتسعت عيناه في مزيج من الفرح و عدم التصديق ...
- أستاذ (حاتم فؤاد) ؟؟!! ... مش معقول ...
و أخيراً ... تعرف علىَّ أحدهم !! ... ابتسمت و أضفت ..
- أنا آسف طبعا إني جاي من غير معاد ... بس أنا كنت عايز (محمود) في حاجة ضروري جداً ...
- (محمود) ابني ؟!! ...
وقعت في حيص بيص حينها ... و أربكني السؤال ... فهل كان سؤالاً استنكارياً أم أن البيت يحوي أكثر من (محمود) ؟!! ... فسألته و كأنني أمزح ..
- هو في (محمود) تاني هنا ؟ ..
- لأ ... آه .. معلش آسف إني سايب حضرتك واقف على الباب .. اتفضل اتفضل ... ثواني و هنده (محمود) حالاً ...
قالها و أفسح لي الطريق ... و أشار إلى إحدى المقاعد فجلست و انتظرت و ما هي إلا دقائق و ظهر أمامي الفتى ...
كتلة من الأشياء كان .. أو نموذج مصغر من الفيل الأبيض الهندي الأصيل !! ... تبدو عليه علامات الاندهاش التي اقتنعت مع الوقت أنه قد ولد بها ... وقف عند باب الغرفة و فتح فمه لدرجة أقنعتني أنه لا ينوي إغلاقه قريباً !! ...
- إنتا (محمود)؟ ..
سألته و لكننه انتظر بضع لحظات حتى يستوعب السؤال ثم أومأ رأسه بالإيجاب ...
- طيب يا محمود .. أنا مش عايز أزعجك أنا بس كنـ ...
قاطعني الفتى و انطلق يتكلم و كأنه كان محروماً من الحديث طيلة عشرة أعوام كاملة ...
- أنا بشوف برنامج حضرتك كل يوم اتنين ... و قرأت كل كتبك ... آآآ .. معظمها يعني ... و .. و .. و بقرأ المقال بتاع حضرتك اللي بينزل كل يوم أربع ... و .. و ..
- خلاص يا ابني ... هو ده كل اللي بعمله في حياتي ..
قلتها ممازحاً إياه لعله يهدأ قليلاً من فرط الانبهار و الدهشة ... و لكنه ما لبث أن انطلق يتحدث من جديد ..
- و أنا ... أنا بحب حضرتك جداً جداً ... و بيعجبني كل حاجة بتكتبها ... و بعتبر حضرتك و الدكتور (نبيل) مثل أعلى ليا ... آه و الله ...
- يا ابني أنا مصدقك و الله مش محتاج تحلف ...
قلتها فصمت ... فانتهزت هذه الفرصة و أخرجت الورقة لأريه إياها و أتلقى منه كلمة "لأ" و أنطلق لحال سبيلي لعلي أستفيد و لو بآخر سويعات هذا اليوم الرهيب ...
- بص في الورقة دي كده يا (محمود) ... إنتا اللي كاتب الكلام ده ؟ ..

أمسك الفتى بالورقة و قربها من عينيه ... و ارتسمت على وجهه علامات الدهشة التي لم تكن قد فارقته من الأساس !! ... و أردف بحيرة غريبة ..
- أيوه أنا اللي كاتبها ... بس إزاي وصلت لحضرتك؟! .. أنا مابعتهاش للمجلة لسه ...
أول ما سمعت كلمة "أيوه" شعرت بفرحة غريبة لم أشعر بها إلا حينما فازت (مصر) على (الكاميرون) بأربعة أهداف !! ...
اقتربت من الفتى أكثر و عدلت من وضع منظاري الطبي كنوع من البروتوكول الوعظي .. و وضعت يدي على كتفه و بدأت بالعزف ..
- و إنتا ليه عايز تنتحر يا ابني ؟ .. الدنيا فيها حاجات حلوة كتير .. و إنتا لسه صغير و الحياة قدامك لسه بتتـ ...
قاطعني الفتى الذى كان لحطتها قد احتكر توكيل الاندهاش في العالم بأسره و أردف ..
- و مين قال إني عايز أنتحر ؟؟!! ..
- نعم؟؟!!
- أنا مش عايز أنتحر ..
- أمال إنتا عايز إيه ؟؟!! ... قصدي أمال إنتا كاتب الجواب ده ليه ؟!! ..
- أنا كنت كاتبه عشان أقدمه في المسابقة اللي في الجريدة بتاعت حضرتك ... المسابقة بتاعت الرسالة ...
نظرت إليه و أنا أكاد أجن ... و كدت أنحني على يديه لأقبلهما و أنا أتوسل إليه قائلاً " أرجوك تنتحر ... أرجوك تنتحر !!" ... فقط .. لأشعر أن يومي و أعصابي لم يذهبا هباءاً ...
- يا أستاذ (حاتم) ... أنا لايمكن أفكر بالانتحار ... لأني عندي هدف في حياتي ... أنا عايز أبقى كاتب كبير زي حضرتك و زي الدكتور (نبيل) ... اللي بينتحر ده هو اليائس اللي معندوش حاجة يبقى عليها في الدنيا ...
قال تلك الكلمات الحكيمة – من وجهة نظره- و وقف مختالا فخورا بذاته ... و لحظتها ... لحظتها فقط .. أردت أن أتحول لأدهم صبري لأحرك أطرافي الأربعة في حركات قوية و سريعة باتجاه "قفاه" لأسدد له صفحة محترمة .. تكون مصدر إلهام له لعدد من الروايات ذات الأجزاء المتعددة !! ...
نكست رأسي و أنا أتخيل رئيس التحرير الذي حتما قد أصيب بشلل الأطفال من جراء فعلتي ... و (منال) ... (منال) أتخيلها و قد أشعلت فرن البوتوجاز ... و حضرت الأكياس البلاستك و الساطور لاستقبالي بحفاوة بعد أن تركتها اليوم بأكمله دون أن أعيرها أدنى اهتمام ...
رفت عيناي للفتى .. فقط لأسأله سؤال واحد لعل الفهم يعزيني فيما حدث ...
- طيب الورقة دي وصلت الشارع إزاي ؟ ..
- لا عادي ... أصلي لما بخلص كتابة و أحس إن اللي كتبته ش عاجبني ... برمي الورقة من الشباك ...
- و كمان معفن ؟؟!!
هذا ما دار بعقلي حينها ... لولا أني لجمت لساني في اللحظات الأخيرة ...
- طيب يا ابني ... أنا هستأذن بقى ... سلام عليكم ...
- طيب معلش يا أستاذ (حاتم) ... هسأل حضرتك على حاجة .. بما إن حضرتك قرأت عملي يعني ... إيه رأي حضرتك في أسلوبي؟ ... أنفع؟ ...
نظرت للفتى و أخذت أتحسر و أتندم أشد الندم على عدم إمكانيتي في أن أصبح (أدهم صبري ) ... أو حتى (سونيا جراهام)!! ...
- آه ... إن شاء الله هتنفع ! ...
قالها ضميري الملح ... الذي رفض أن يضحي بمعنويات الفتى ... و جررت ساقاي و تقدمت ناحية باب الشقة ... ثم التفت للفتى و أضفت ...
- ما تبقاش ترمي حاجة في الشارع تاني ؟!
فسألني بذكاء غريب ... و عينان متقدتان و على أشد استعدادهما للتعلم و الاستفادة ...
- ليه؟ ..
- عشان النضافة من الإيمان !! ...
قلتها و الغيظ بداخلي يستحلفني أن أنتقم منه ... و لكنني سارعت بالخروج و جذبت الباب خلفي ... و عدت للشارع و سألت أحد المارة عن أقرب "نت كافيه" لأبعث لرئيس التحرير بالمقال ...
ترررررررن ترررررررن ... تررررررن تررررررن
أخرجت الهاتف من جيبي متوقعاً أن يكون رئيس التحرير ... يحدثني من العناية المركزة و هو في آخر رمق له مطالباً بالمقال !!
و لكن و لدهشتي و جدت الشاشة تضيء باسم زوجتي ... (منال) .. كان هذا هو الاسم المكتوب على الشاشة ... أجبت و أنا في حالة تخدير كامل من هول المفاجأة و أردفت ...
- ألووو؟ ..
- أيوه يا (حاتم) إنتا فين ؟؟ ... أنا قلقت عليك أوي ...
رفعت حاجبي الأيسر غير مصدق ... و لكنني أجبت بسرعة ... مقنعاً ذاتي أن الكذب الأبيض حتما ينفع في اليوم الأسود ! ...
- أنا عند (غريب) ... أصل العربية كانت على آخرها و اضطريت أقعد جنبها لحد أما تخلص ...
- طب مش تطمني يعني ؟؟ ...
- معلش ...
- طيب قدامك قد إيه كده ؟ ...
- لا أنا خلصت خلاص و جاي أهه ...
- طيب ما تتأخرش بقى و سوق على مهلك ...
- حاضر ... مع السلامة ..
- سلام ...
أغلقت الخط و أنا أكاد لا أصدق ... و انزاح عن كاهلي جزء كبير من الحمول ... و أخذت أحث الخطى تجاه المقهى لولا أنني سمعت صوتا يهتف باسمي ... فالتفت فإذا به (محمود) !!
- خير في إيه؟ ..
- أنا عايز أطلب من حضرتك حاجة معلش؟ ...
- خير ؟ ..
- كنت يعني ... عايز أعرض على حضرتك أعمالي كلها ... يعني لو حضرتك عندك وقت تقرأها و تعلق على أسلوبي و الأفكار و كده ...
ابتسمت بعد تردد... فما كان أمامي في النهاية إلا أن أبتسم ... الفتى يريد أن يصبح كاتباً ... و جزء من حياتي هو إعداد أمثاله ...
أخرجت بطاقة صغيرة من حافظتي ... و ناولته إياها و أضفت ...
- ده الكارت بتاعي ... فيه التليفونات و عنوان المكتب ... إبقى كلمني نحدد معاد ...
تناول الفتى البطاقة بسعادة غامرة شاكرا إياي و كان على وشك الانصراف إلا أنني استوقفته لأسأله عن شيء باغت عقلي لحظتها ...
- إلا قلي يا (محمود) ... إنتا ليه كتبت اسمك الحقيقي في آخر الرسالة ؟ ...
احتار الفتى قليلاً ... ثم ابتسم و أجاب و قد احمر وجهه ..
- صدقني يا أستاذ مش عارف ... بس ماجاش في بالي ساعتها اسم تاني غير اسمي ...
"إنه القدر يا عزيزي الذي دفع رسالتك إلى طريقي ... لأضعك على أول الطريق " ... جاءتني الإجابة من داخل رأسي ... فابتسمت بدوري .. و ودعت الفتى و انطلقت أحث خطاي تجاه المقهى ...
و في عقلي يقين راسخ أن هذا الفتى حتما سيكون كاتباً مشهوراً ...
ليضرب بنظرية (العلمي) عرض الحائط ...
و يتزوج من (ريم) ليصيبها بالضغط المزمن من أفعاله ... ثم تعود لتقلق عليه حين يتأخر ...
و سيقابل العديد من فتايات السُسَت ... فقط .. ليحمد الله على تلاميذه النبغاء المتعطشين لعلمه ..
و سيطارده رئيس تحريره بين الحين و الآخر من أجل مقاله الذي يتوقف عليه الطبع !! ...
نعم ... سيصبح كاتباً مشهوراً ذات يوم ... لا شك في ذلك ...

- تمت بحمد الله -

الجمعة، 7 مارس، 2008

فقط ... من أجل هذا ...






كل شيء في هذه الحياة يحدث لسبب ما ... قد يكون مبررا ... و قد يكون مبهما ... و لكن دائما و أبدا هنالك شيء ما يدفعنا لنتحرك ... لنخطو خطوة للأمام ... لنسافر ... لنرحل ...لنقترب ...لنبتعد ... لنبدع ... لنختنق ... لنحيا ... لنموت ... و لنكون دائما ما نحن عليه ... مجرد بشر ...
************************************************************
( ممنوع الانتظار قطعيا )

أوقفت سيارتي تماما تحت تلك اللافتة .... عادة مصرية قديمة هي و تعد من القواعد الغير مكتوبة فعلامة ممنوع الاتنتظار تعني ... يمكنك الاتنظار هنا... شددت فرملة اليد جيدا و أخذت أضع حاجياتي داخل حقيبة يدي بشيء من السرعة .... سقط الهاتف من يدي فانحنيت ألتقطه و اعتدلت لأجد شرطيا يقف بجوار السيارة و بيده دفتر المخالفات ... حاولت أن أبتسم ابتسامة ودودة لعلي أظفر ببضع دقائق من الانتظار ...
- ممنوع الوقوف هنا يا آنسة ... مش شايفة العلامة؟
- أيوه ... بس حضرتك هيا كلها ربع ساعة و همشي على طول ...
- ما ينفعش يا ست ما تجيبلناش الكلام ... الأمين هيعدي كمان شوية و لو لقي عربية واحدة راكنة هنا يومي مش هيعدي على خير...
نظرت إلى صف السيارات المتراص على امتداد البصر ... ثم نظرت إلى الرجل نظرة تكاد تنطق لتقول ( أمال دول بيعملوا إيه هنا؟ ) ... فكرت مليا و دسست يدي داخل حقيبتي و أخرجت ورقة نقدية وضعتها ما بين أناملي ليراها الشرطي ...
- هيا ربع ساعة بس و مش هتأخر ...
نظر إلي و أومأ برأسه علامة على موافقته ... فدسست الورقة بيده شاكرة ذلك الفلكلور المصري العتيد ... و أخذت أهرول عابرة شوارع وسط المدينة ذات الطابع الكلاسيكي القديم والذي يبدو أنه قد ترك آثاره على قاطنيها و روادها... و احتل أيضا جزءا كبيرا من قلبي .... كان يقطن في تلك البناية التي كنت أقف تحتها مباشرة ...
**********************************************************
ألقيت نظرة سريعة على ساعة يدي فوجدت عقاربها تشير إلى الحادية عشرة إلا الربع ... زفرت بشدة فلم أكن ممن يوصفون بدقة مواعيدهم ففكرة الوقت ذاتها تكاد تقتلني ... تأملت الباب الذي كنت أقف أمامه و ابتسمت ابتسامة عريضة انتظارا لذلك الوجه الذي كنت أتوقعه ... دققت جرس الباب و تراجعت للوراء بضع خطوات و انتظرت ... لا أحد يجيب ... مددت إصبعي لأعيد الكرة فسمعت صوت الرتاج و رأيت الباب يفتح ببطئ و على وجه صاحبته علامات الضيق المصطنعة ... دفعت الباب لأرتمي بين أحضانها ... كانت تلك ( سامية ) أقرب اصدقائي إلي و صندوق أسراري الأمين ...
- إيه المواعيد البايظة دي؟
- معلش بقى يا (سوسو) الشوارع زحمة أوي و بعدين إنتي عارفه إن أختك بتسوق على أربعين ...
أطلقت ضحكة مرحة .. تلك التي أعشقها و بادرتني سائلة و هي تقودني إلى المطبخ ...
-عاملة إيه يا بنتي؟
-الحمد لله ...
ترددت لحظة قبل أن أفتح فمي لأسألها عن شيء ما ... فقدمت لي مقعدا و أشارت إلي أن أجلس بجوار الطاولة ...
- أمممم ... و إنتوا بقى عاملين إيه يا (سوسو) ؟...
نظرت إلى بطرف عينها ثم أجابت بخبث ...
-أنا؟ ... أنا كويسة ...
نظرت إليها بغيظ حيث أنها تعلم ما أرمي إليه ... فضحكت ضحكة عالية لما رأت تعبير وجهي الحانق ...
- خلاص خلاص لحسن يجرالك حاجة ... هوا كويس .. و بيسلم عليكي .. و كان عايز يستــ ....
ثم أطلت برأسها فجأة من شباك المطبخ الداخلي في حركة عنيفة لتصرخ في ذلك الكائن البرئ الذي هو ابنها ...
- ولد يا (حازم) ... مش بتذاكر ليه؟؟؟ عارف أنا لو جيت و لقيتك في نفس الصفحة ؟ يومك مش هيعدي على خير ...
ثم اعتدلت و أدارت وجهها لتنظر إلي ...
-الولد ده هيجنني... ما بيذاكرش خالص و تالتة ابتدائي شهادة ...حاجة تقرف ... بموت نفسي عشانهم و ولا هما هنا ...
و اتجهت ناحية الموقد لتتابع الطعام الذي كانت تعده قبل حضوري و لمحت في عينيها شبح دموع ما لبثت أنا تداركت نفسها و عادت من حيث أتت ... فملت عليها و وضعت كفي على ظهرها برفق و سألتها ...
- (سامية) إنتي كويسة؟
بادرتني بابتسامة مصطنعة لم تستطع خداعي ...
-طبعا كويسة ... حد يشوفك و ما يبقاش كويس؟
-(سامية) إنتي مبسوطة مع (علاء)؟
فظهرت على وجهها إمارات الضيق و ما لبثت أن أردفت ...
-أهي عيشة و السلام ...
- يعني لو كنتي بس سمعتي كلامي و إتمسكــ....
في تلك اللحظة اندفع نحوي جسد صغير احتضن خصري بكل قوته و بادرني هاتفا ...
- تنت (سالة) ...
أي طنط (سارة) ... احتضنت الصغير و حملته لأضعه على المنضدة فسارع بإخفاء شيء كان يحمله وراء ظهره ... قبلته و التفت إلى أمه لأكمل حديثي معها ...
-طيب (علاء)مريحك يعني؟كويس معاكــ...
هز الصغير كتفي فنظرت نحوه لأجد ذلك القناع المخيف على وجهه فرسمت على وجهي علامات الخوف ممازحة إياه ...
- يا مااامي ...
- أوليكي يا تنت البعبع بيعمل إزاي ؟ ..... عووووووووووو ....
أخفيت وجهي بكلتا يدي و هتفت من جديد ...
- يا مامي ...
قبلته و التفت مرة أخرى لوالدته التي كانت على ما يبدو تصارع حالة من الحزن سببها سؤالي ... فحزنت لذلك و توجهت إليها و ربتت على كتفها ... فنظرت إلي و ابتسمت قائلة...
- (سارة) إوعي تبقي زيي في يوم من الأيام ...
و عاودت النظر إلى إناء الطهي منهية بذلك حديثنا و معلنة اكتفائها بتلك الكلمات ... أطرقت لحظة و فهمت ما ترمي إليه هي ... فما قالته لم يكن بحاجة إلى ذكاء خارق ليفهم ... تنهدت تنهيدة حارة ثم وقعت عيناي تلقائيا على ساعة الحائط المعلقة بالمطبخ ... و ما أعلنته الساعة لم يكن ليسرني فقد تأخرت على ميعاد الدرس كعادتي ... متعة أخرى سيحظى بها المحاضر في تلذذه بإذلالي حتى يسمح لي بالحضور ... قبلت (سامية) و الصغير في عجلة و انطلقت أشق طريقي إلى الباب محاولة إيجاد حجة لتأخري فلربما تقنع المحاضر ....
**********************************************************
- ما تنسوش تعملوا (كنترول إس) كل شوية عشان لو الجهاز هنج ...
نطقها المحاضر و أخذ يتجول في القاعة متفقدا أحوال المتدربين ...
- كنترول إس ... كنترول إس ... كنترول إس !!!!! ... بقالي ساعة بعمل كنترول إس و الجهاز مش راضي يسيف ... منه لله اللي اخترع البتاع ده ... ربنا ينتقم منه !!!
أخذت أتمتم بتلك الكلمات الحانقة و ما لبثت أن سددت صفعة قوية للوحة المفاتيح أحدثت صوتا مكتوما ثم عاودت المحاولة من جديد ... لم أكن حقا من محبي أجهزة الحاسوب و لا من المتحمسين للتكنولوجيا من الأساس فقد كنت أرحب بالحياة على أبسط أشكالها ...نظرت إلى لوحة المفاتيح مرة أخرى فلاحظت ظلا خفيفا عليها التفت أنظر بجواري فإذا بالمحاضر يقف متأملا ذلك المشهد المتكرر ... حاولت أن أبتسم معللة ما فعلته ...
- أصل يا باشمهندس الجهاز مهنج من الصبح و مش راضي يســ ...
- باشمهندسة (سارة) ... ياريت تعدي عليا بعد المحاضرة ما تخلص ...
(صبحنا و صبح الملك لله)... دارت تلك العبارة بخلدي فلم أكن مستعدة أبدا لتلقي وابلا من التقريع من أجل قطعة من الحديد ... و لم أكن مستعدة بتاتا للتعامل مع ذلك الشخص ... ( محمد عبد السميع ) فأنا عن نفسي أخشى الاحتكاك به ... لا لم يكن من ذلك الطراز المخيف من البشر ... و لم يكن مكشرا عن أنيابه أبدا ... و لكنك يمكن أن تطلق عليه لقب (وغد قديم) و تكون متيقنا مع ذلك أنك قد ظلمت الأوغاد أنفسهم ... البعض أيضا يطلق عليه لقب (ذئب) ...
يحكى عن ذلك الرجل العديد من الأشياء الغريبة ... و أكثر ما شد انتباهي حقا هي تلك الرواية التي تزعم أنه قد أقنع جدته التركية أن كلية الهندسة سبع سنوات و أنه بعبقريته الفريدة قد اختصر تلك السنوات إلى خمس فقط ليحظى بسيارة من طراز ال(بورش) ... و لا عجب في ذلك فما عرفته عن تلك المرأة أنها لا تزال تعتقد أن كلية الهندسة تدعى ( المهندس خانة ) ... أنهيت ما أمامي في عجالة و لملمت وريقاتي و أخذت نفسا عميقا ... و خطوت بضع خطوات مترددة تجاه باب القاعة حيث ينتظرني ذلك الوغد ...
**********************************************************
إوعي تبقي زيي في يوم من الأيام ...
**********************************************************
وقفت أمام الرجل مباشرة و انتظرت حتى ينهي المكالمة التي تلقاها على هاتفه الخاص و أخذت أفكر في عبارات اعتذار مناسبة ... و ما لبث أن أنهى المحادثة حتى بادرته قائلة ...
- أنا متأسفة يا باشمهنــ ..
- باشمهندسة (سارة) ... إنتي دخلتي كلية الهندسة ليه؟
أدهشني سؤاله حقا ... فلم يكن هذا هو نوع الأسئلة التي كنت أتوقعها منه ... حاولت أن أبحث في عقلي المرتبك عن إجابة مرضية أو ربما كنت أبحث عن رد يذهله و لكن ما خرج مني كان أعمق مما كنت أتوقع بكثير ...
- عشان أبقى مهندسة ...
قلب ناظريه في أرجاء الفراغ ثم نظر إلي مرة أخرى..
- طب بلاش السؤال ده ... إنتي ليه بتاخدي كورس ال(فوتو شوب) ده؟
- عشان أي مهندس محترم في مجالنا لازم يكون عارف (فوتو شوب) ...
أطرق لحظة ثم أخذ يهز في رأسه لبضع ثوان اعتقدت فيها أنه لن يتوقف أبدا ... ثم نظر إلي نظرة تحمل معنا ما فهمته فيما بعد ... فتح فمه ليقول شيئا ثم عاد فأطبق شفتيه ... نظر إلى الحائط الذي كان يستند عليه و تنهد تنهيدة عميقة ثم عاود النظر إلي ليقول ...
- بصي يا (سارة) ... أنا هقولك على حاجة ...إنتي ممكن تعتبريها نصيحة ... و ممكن تعتبريها كلام فارغ ....زي ما تحبي ...
أطرق لحظة ثم سدد نظراته إلي و أضاف ..
- لو ما أخدتيش الحاجة اللي إنتي عايزاها .... إوعي ... إوعي تاخدي حاجة إنتي رافضاها ... عشان ما تبقيش خسرتي كل حاجة ...
حاولت أن أفتح فمي لأقنعه أنني أعشق مجال دراستي و أن اختياري له كان بمحض إرادتي ... و لكن النظرة التي في عينيه كادت تنطق لتقول ... أنا لست بغبي ... حقا هو ليس بغبي ... و حقا لم تكن الهندسة و لا الأرقام ولا الحسابات باختياري أبدا ... رفعت رأسي لأنبأه بصحة تكهنه ... و لكنني لم أجده ... كان قد ابتعد ... هذا الرجل يستحق لقب وغد عن جدارة حقا ... و لكنه ليس أبدا بذئب ... كذب من قال ذلك عنه ...
**********************************************************- إزيك يا (سارة)؟
انطلقت تلك العبارة من داخل قلبي لتستقر في أذني فالتفت و أنا أعرف هوية السائل قبل أن تقع عيناي عليه ... كان ذلك (علي) أخ (سامية) الأصغر ... احمر وجهي خجلا قبل أن أجيب على سؤاله ...
- الحمد لله ...
نظرت إلى ساعة يدي و بادرته سائلة ...
- إنتا الكورس بتاعك بيخلص الساعة واحدة ... إنتا بقالك كتير مستني؟
ابتسم و أجابني ...
- و لا يهمك ... أنا أستناكي العمر كله ...
ابتسمت بدوري و مازحته قائلة ...
- إنتا قد الوعد ده ؟
ضحك ضحكة قصيرة ثم عادت ملامح وجهه ترسم الجدية ليبادرني قائلا ...
- أنا قد كل حرف فيه ...
**********************************************************
حبيبي سكر مر ...
طعم الهوى ..
فرق ما بينا الشوك ...
ماعدناش سوى ..

- (سارة)... وطي البتاع ده و تعالي عشان أنا و بابا عايزينك في موضوع ...
لم تكن تلك العبارة من العبارات المفضلة لدي ... فأنا لا أنتمي في هذا البيت سوى لتلك الجدران الأربعة التي تكون غرفتي ... و لم يكن أبدا النقاش الأسري البناء من تلك العلامات المميزة لعائلتي ... فأنا شخصيا أعتبر نفسي من طراز (جعلوه فانجعل) الشهير ... تمنيت في قرارة نفسي أن يكون الداعي خيرا ... و لكنه لم يكن كذلك أبدا ...توجهت إلى حيث أبواي .... نظرت إلي أمي و ابتسمت ... تلك الابتسامة صادفتني كثيرا .... و خذلتني أكثر ...
- بصي يا (سارة) ... في طبيب متقدملك ... و أنا و بابا شايفين إنه مناسب ليكي ... هوا عنده 32 سنة و أهله أطباء هما كمان ... عندهم بيت كبير في المقطم ... و خالــــ ....
لم أنتبه إلى بقية الحديث فلم يكن الأمر يهمني بتاتا ... و لكنه كان عاصفة ستهب على أيامي القادمة لا محالة ... نظرت إلى أبي مستغيثة فإذا به كما هو ... كما عهدته ... و كما رأيته دائما ... كما كان و كما سيظل .... يتصفح الجريدة ...
**********************************************************
- إنتا قد الوعد ده ؟
- أنا قد كل حرف فيه ...
**********************************************************
- البعبع بيعمل إزاي ؟ ..... عووووووووووو ....
**********************************************************
شهدت أيامي تلك نضالا فريدا ... حاولت مرارا أن أشرح وجهة نظري ... حاولت أن أقنع أمي ... و أبي أنني أريد من اخترته أنا ... و لكن مطلبي قوبل بالرفض ...قوبل بالسخرية ... قوبل بالتعنت ... و لسببين لا أكثر حكم على اختياري بالنفي ... أولهما أنه لم يكن اختيار أمي ... و الثاني أن (علي) قد اقترف ذنبا لا يغتفر ... و جريمة شنعاء استحق عليها النفي هو الآخر ... فـ(علي) لم يكن مهندسا ... و لم يكن طبيبا كذلك ...
حاولت أن أتماسك ... حاولت أن أقنع عضلات فمي بالابتسام ... حاولت أن أدعي عدم الاكتراث ... و لكن عقلي رفض أن يظلم قلبي ما تبقى له من العمر ... فتوقف عن التفكير المنطقي ... و أصدر إشارات إلى باقي أعضاء جسدي بالتوقف عن العمل هي الأخرى ...
ما أتذكره من تلك الأيام ليس بالكثير حقا ... مجرد رتوش تركت خدوشها على ذاكرتي .... مجرد أصوات مختلفة ... لم أميز أصحابها ... و لم تكن لتعزيني في شيء ... فلم يكن صوت (علي) من ضمن تلك الذكريات ...

- انهيار عصبي حاد ...
....................................................
- شلل في أطراف الجسد الأربعة ...
....................................................
- هوا مين (علي) ده؟
....................................................
- يا حبيبتي يا (سارة) ....
**********************************************************
( ممنوع الانتظار قطعيا )
**********************************************************
حبيبي سكر مر ... طعم الهوى .. فرق ما بينا الشوك ... ماعدناش سوى ...
************************************************************
أين ذهب (علي)؟ تساءلت نظرات الجميع ... أين (علي)؟ تساءلت أنا ...
كان قد رحل ... و تركني ... لأبقى مع المرض ... و مقتطفات من ذكريات كانت لي معه ....
و لكنني التمست له العذر .. فما فعلته أمي به لم يكن ليوصف أبدا بالترحيب ...

- كرامته يا (سارة) ...

هكذا عللت لي (سامية) موقفه لما رأت السؤال يطل من عيناي يوما ... لم أكن أبدا لألومه ...
و لم أكن أبدا لأمقته ... فقد كان مجرد بشر ... اغتيلت كرامته ...
استعدت بعضا من صحتي بعدها ... تركت المشفى و لزمت البيت ... و كان تفكير أمي حينها أنه طالما أن (علي) قد رحل ... فلا مانع من التفكير في غيره ...
لست بآلة ... هذا ما لم تفهمه أمي يوما ... و لم تقتنع به ....
**********************************************************
- أهي عيشة و السلام ...
***********************************************************
- لو ما أخدتيش الحاجة اللي إنتي عايزاها .... إوعي ... إوعي تاخدي حاجة إنتي رافضاها ....
**********************************************************
(هشام) كان هذا هو الاسم المدون على تلك الدبلة التي صارت تحتضن إصبعي ... لم يكن بالسيء أبدا ... على العكس تماما ... كان شخصا ودودا ... طيبا ... مرحا ... و مهندسا ... تماما كما أرادت أمي ... و كيف له ألا يكون ... أوليس باختيارها هي؟ ... لا أزعم أنني كرهته ... و لكنني لن أكذب أيضا لأقول أنني أحببته ... هو كان كل شيء جميل ... إلا شيء واحد فقط لم يستطع أن يكونه ... لم يستطع أن يكون (علي) ...
في ذلك اليوم خرجت أنا و هو و أمي لانتقاء فستان الزفاف ... أشارت أمي إلى أحد الفساتين المعروضة و سألتني ...

- إيه رأيك في ده يا (سارة)؟
- أي حاجة يا ماما اللي تشوفيه ...

تصرفت كأن الأمر لم يكن ليعنيني ... فهل كان يعنيني حقا؟؟!! ... تركت أمي و (هشام) يتفقدان ما أمامهما من ثياب و وجهت بصري ناحية واجهة المحل الزجاجية ... أخذت أتأمل العالم الخارجي في شيء من الفتور ... رجل عجوز يحاول عبور الشارع دونما جدوى ... شاب يتحدث عبر هاتفه الخلوي و على وجهه علامات الانفعال الشديد ... بائع جائل ينادي على بضاعته ... لا جديد إذا في عالم البشر ... كنت على وشك أن أدير وجهي إلا أن مشهد ما بالخارج أثار انتباهي ... امرأة شمطاء تجر كلبها ال(دوبر مان) محاولة اصطحابه في اتجاه ما لا يريده هو ... أخذ الكلب يحرك أطرافه الأربعة في عكس اتجاه المرأة و لكن دون جدوى ... باءت جميع محاولاته بالفشل فامتثل لأمرها في النهاية ... تعجبت حقا من أمر هذا المخلوق ... فحجمه و قدراته يتيحان له أن يصنع من تلك المرأة وجبة برجر شهية ... ولكنه الوفاء حتما الذي يمنعه ... كان يتوقف بين الحين و الآخر محاولا جذب عنقه خارج الطوق ... و لكن دون جدوى فيثنيه ذلك عن موقفه و يتابع سيره من جديد ... تأملت الكلب في شيء من الحزن و الغيظ معا ... حركت الدبلة التي كانت تطوق إصبعي في حركات دائرية حوله ... أطرقت لحظة و أخذت أتأمل المكان حولي ... ثم رفعت نظري من جديد لأتابع الكلب و هو يحاول الملاص من صاحبته ...

- (سارة) تعالي قيسي الفستان ده ...
كان ذلك نداء أمي الذي لم أكترث به ... نظرت لـ(هشام) فابتسم لي مشجعا ... انتظرت لحظة ثم حسمت أمري ... و خطوت بضع خطوات قليلة تجاهه ...ووقفت أمامه مباشرة و هززت رأسي بالنفي و أردفت...

- مش هينفع ..

- طيب تعالي إنتي اختاري اللي إنتي عايـــ ....
بتر عبارته فما قلته لم يكن ليعني الفستان في شيء ... ما قلته أتبعته بخلع دبلتي و وضعها في راحته ثم وجهت ظهري لهما هما الاثنين و أطلقت لساقاي العنان ... جذبت بابا المحل ففتحته و أخذت أركض بالشارع ... لم أكترث لتعليقات المارة الساخرة ... لم أكترث لنداءات أمي الغاضبة ... لم أكترث لنظرات (هشام) المصدومة ... لم أكترث لأي شيء سوى الهواء الذى كان يصطدم برئتي و كأنه أول لقاء لهما ... ركضت كأن لم أركض من قبل ... و تطايرت الدموع من عيناي لتصطدم بالهواء هي الأخرى ... توقفت قليلا لألتقط أنفاسي فسمعت صرخات متتالية .... انطلقت أذناي لا إراديا تبحث عن مصدر الصوت لترشد عيناي عن الفاعل ... نظرت فإذا بها صاحبة الكلب ... تصرخ بعبارات لم أستطع تفسيرها و تشير باتجاه ما و بيدها الأخرى طوق فارغ .. بلا عنق ... ابتسمت و أدرت وجهي من جديد و واصلت عدوي ... إلى حيث يشاء القدر ...


تمت بحمد الله